صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
306
شرح أصول الكافي
تعالى لا يعلم الجزئيات ويعزب عن علمه بالأشياء « 1 » . ولما وبخه عليه السلام عن جهله ونبّهه على أنه تعالى لكونه فاعل الخلق وموجدهم ومبدأهم وغايتهم وتمامهم كيف يكون غائبا عن الخلق ؟ والشيء مع نفسه بالامكان بين ان يكون وان لا يكون ومع موجده بالوجوب والضرورة ، فكيف يصح الشيء ان ينفك ويغيب عنه موجده وخالقه الذي هو به موجود ولا ينفك ولا يغيب عنه نفسه التي هو بها هو فقط ؟ فبهذا البرهان ظهر انّه تعالى مع خلقه شاهد عليهم أقرب إليهم من ذواتهم كما قال : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 2 » ، الذي هو جزء من البدن بالبدن ، فإذا كان كذلك فيسمع كلامهم ويرى اشخاصهم ويعلم اسرارهم . ولما سمع ابن أبي العوجاء انه تعالى غير غائب عن الخلق بل معهم أينما كانوا وهو لم يتصور بفطانته البتراء وغريزته العوجاء من المعية والقرب الا مقارنة الأجسام ولا من الكينونة في شيء الا كينونة الجسمانيات وحلولها في المكان فاستبعد القول بان اللّه تعالى في كل مكان ، وزعم أنه إذا كان في مكان ملأه وشغله وخلى عنه مكان اخر . فنبه عليه السلام بان الذي وصفت هو حال المخلوق الجسماني المقدر الذي إذا خرج من مكان إلى مكان زاحم فيه جسما اخر واخرجه عنه واشتغل المكان به وفرغ منه المكان الأول ، فلا يدرك عندما كان في المصير إليه من المكان ما يحدث في المصير عنه ، كما لم يكن يدر عندما كان هناك ما حدث هاهنا ، وهذا لقصور ذاته ونقص حقيقته وضيق وعائه الوجودي المقيد بالمكان ثم ببعض من الأمكنة على الاختصاص كالفلكيات أو على البدل ، حتى لو فرض جسم طابق المكان كله فهو أيضا ناقص الجوهر ضيق الوجود محدودة . فامّا اللّه العظيم القيوم ذو القوة الشديدة الغير المتناهية ، فنسبة جميع الأمكنة والمكانيات واضعاف اضعافها إلى ذاته كنسبة القطرة إلى بحر لا يتناهى ، وكذلك نسبة جميع الأزمنة الغير المتناهية إلى تسرمد بقائه كنسبة الآن الواحد إلى زمان لا ينقطع
--> ( 1 ) - الأشياء - م - د . ( 2 ) - ق 16 .